عربى
PLUS
رئيس مجلس الإدارة
د.وليد دعبس
رئيس التحرير
أيمن نور الدين

رين بستاني تكتب .. The Facebook

طباعة

إن فعل التواصل بين النّاس، ومنذ أقدم العصور، قد ساهم في إستمراريّة الجنس البشري في جميع أنحاء الكرة الأرضيّة وحتّى وإن كان محدودًا في معظم الأحيان بالبلد ذاتها، فالإنتقال من بلدٍ لآخر ليس بهذه السهولة وحتّى في يومنا هذا، إلى أن تمَّ اختراق عوالمنا بما يسمّى "بالتواصل الإجتماعي".

في البداية، أسهم التّواصل عبر الإنترنت بفتح آفاق جديدة وواسعة في الأعمال، حيث جرى تبادل الخُبرات والمناقصات والأفكار المتنوّعة والحديثة، كما أنّه عرّف الشّعوب على بعضها البعض من خلال الثّقافات والحضارات المختلفة، وأظهر جمال وإبداع الخالق لكلِّ أنحاء الكرة الأرضيّة، لم يقتصر التّواصل الإجتماعي على الأعمال، بل انتقل إلى لمّ شمل الأصدقاء القدامى والمنسيّين في الغربة أو حتّى في البلد ذاته، فعادت أوصال المحبّة والألفة بين الأصحاب، وتوضّدَت العلاقات واقتربت المسافات...

لكن، هل كلُّ ما ينجزه الإنسان حسنٌ؟ لا، إنّ هذا التّواصل بين أفراد العالم أجمع، قد استطاع ليس فقط إعادة شمل الأصدقاء فحسب ولكنّه أيقظ العقول المتحجرة، وشجّع التواصل بينها، وأعطاها الفرصة لدراسة الشّر ونشره عبر العالم، فما كان من عديمي الإيمان ومدّعي الصلاة أن تواصلوا بسهولة وقاموا بالثورات والعمليات الإرهابية... وبعد، إن التواصل الإجتماعي، قد سمح للأفراد بدخول حياة أشخاص آخرين دون إستئذان، فإستطاعوا أن يطّلعوا على أخبارهم وعلى تفاصيل حياتهم اليوميّة، هذا إذا ما حثَهم فضولهم على طلب صداقة، وفي أكثر الأحيان، تكون هويّتهم مزيّفة للحصول على موافقة الشّخص المطلوب، وإنتحال صفة أخرى للتحايل على أصحاب العقول الساذجة، فربّما تصل الأمور الى سرقة أموال، إخلال بالأخلاق أو حتّى هدم علاقات زوجيّة وعائلية، والعبث بعقول الأطفال ... أستطيع الإسهاب أكثر والى غير المحدود عن مخاطر هذا التطوّر الإجتماعي الحاصل في عصرنا، مع ذكر حسناته التي ذكرناها سابقًا... نسمع الكثير عن برامج التوعية، لكن النتيجة غير مرضية والمشاكل ما زالت تتفاقم، أمّا من ناحيةٍ أخرى، هناك من تسابق على إيجاد العدد الكبير من الأصدقاء وأضافتهم الى قائمة المنتمين الى هذه اللا ّئحة، لم أكن أعرف السبّب سابقًا، ولكنّي حزرته لاحقاً، عندما سمعتُ أحدهم يطلب وضع لايك على صورته... وذلك لتجميع أكبر عدد من "الليكات"، لربما هذه سياسة جديدة للترشّح في الإنتخابات النيابّية المقبلة، فعدد الأصوات مهمُّ جدًا، أعرفهم أم لا أعرفهم لا يهمّ... وما أحلى من تتميم الواجبات على الفايسبوك، فالتعازي بلايك باكية والتّهاني بلايك ضاحكة تُغني عن إضاعة  الوقت بالزيارات أو حتّى بالمكالمات التلفونيّة، وتوفّر الهدايا أيضًا، فالعالم كلّه بضيقة ماديّة...

وكم هو جميلٌ ومؤثرٌ أن أعرف كلَّ تفصيل في حياة أصدقائي، فأنا أتابعهم عندما يصحون من النّوم وأعرف عدد قمصانهم وألوانها، وإذا سيشربون القهوة أو النسكافيه وكيف يحضّرونها، وإذا خرجوا  ليتبابعوا ما يحتاجون من لباس وطعام... فأدخل معهم حجرة القياس وأختار معهم أمام المرآة، وعندما يعودون الى البيت، أتابعهم بالصوّت والصورة، كيفيّة تحضير البطاطا المقليّة والبيض المسلوق... وبعد، أعرف أيضًا عندما يأتيهم ضيوف وماذا أكلوا وشربوا، وإذا خرجوا برحلةٍ، يا سلام، أرى كلَّ شيءٍ بالتّفاصيل وكأنني معهم وليس أنا فقط، بل جميع الأصدقاء على الفيس أيضًا، ولا أخفي عليكم، تابعتُ أيضًا الخطبة والزواج وحتّى صور العروس الحامل مع صور Echographie ، أمّا الولادة وأعياد الميلاد... وكلُّ ما يمكن أن يحدث أو يخطر في البال، كلُّه على الفايسبوك نراه ونعيشه مع الأصدقاء أو غير الأصدقاء، بالحقيقة، هؤلاء من يعطون الحافز للفضولبين بدخول حياتهم الخاصة، فأرجو منكم، أن تكفّوا عن تلك السّخافات، وتحتفظوا ببعض الخصوصيّة، لكم ولأولادكم، فالبيوت لها أبواب لِتُغلَق، والعائلة لها أسرارها، والحياة لها خصوصيتها...

أسرعوا وقرِّروا.

((رين بستاني)) 

إرسل لصديق