عربى
PLUS
رئيس مجلس الإدارة
د.وليد دعبس
رئيس التحرير
أيمن نور الدين

جيهان مأمون تكتب .. الحكم بالإعدام على مومياء

طباعة

يخرج علينا كل يوم فى زماننا العجيب نظريات لا تخطر على قلب بشر لضيق أفقها و ضحالتها ، و صرنا أشبه بمن يستقصى عن عدد نجوم السماء من عمال المناجم أو عن معادلات الكيمياء من المراكبية ، و ازدادت مناعتنا ضد وجهات النظر المحبطة التى تتسارع معها ضربات القلب ويلمس بها ضغط الدم عنان السماء ...

 ظهرت نظرية تدعم أن فرعون موسى هو الملك رمسيس الثانى الذى يعد من أهم و أعظم ملوك مصر القديمة ، و الذى تمتد  آثاره و منشآته من حدود ليبيا إلى السودان ، و تشهد معاركه ضد الحيثيين فى بلاد الشام و حروبه مع قبائل التمحو والتحنو فى ليبيا  على عظمة عصره ، فهو صاحب أول معاهدة سلام فى التاريخ ....

و خروج هذه النظرية العقيمة للنور مرة أخرى  لم يكن بعد دراسة مستفيضة للموضوع أو ظهور أدلة دامغة ، و إنما للأسف خرجت مستندة على أساس واهى من الروايات الضعيفة التى تصنف كإسرائيليات ، وتعاطفا مع رأى الطبيب الفرنسى موريس بوكاى الذى فحص جثمان الملك رمسيس الثانى فى سبعينيات القرن الماضى وصرح بأن المومياء تحوى حبيبات ملح ،  مما دعاه إلى الاعتقاد بأن الملك رمسيس الثانى مات غرقا و أنه هو فرعون الخروج و استند على الآية القرآنية الكريمة التى تذكر أن فرعون الخروج سيكون آية للناس فى المستقبل فاعتبر أن تواجد مومياء الملك رمسيس الثانى فى العلن دليل كافى لإدانته وأشهر إسلامه ، و تجاهل هذا الطبيب الفرنسى  أن عشرات الموميات لملوك مصر القديمة موجودة فى المتاحف ، و تغافل عن أن التحنيط فى مصر القديمة كان يتم بغمر الجثة فى الملح لمدة 55 يوما فمن الطبيعى أن تحوى المومياء حبيبات الملح ....

و طمس هذا الطبيب الفرنسى بنظريته المجحفة التاريخ المدون على جدران المعابد منذ آلاف السنين ، والذى يذكر بأن الملك رمسيس الثانى قد توفى و عمره 90 عاما و هو مصاب بمرض الروماتويد ، أى أنه كان غير قادرا بأى منطق بشرى على امتطاء عربة خيول و مطاردة نبى الله موسى ، فلم يكن المصريين القدماء بشر خارقين للعادة ليترأس كهل مسن مريض عاجز عن الحركة الجيوش و يتوغل فى قلب الصحراء .... و قد ضرب أيضا الطبيب الفرنسى بأراء المؤرخين المسلمين كالطبري وابن كثير وغيرهم بعرض الحائط ، فقد ذكروا صراحة أن فرعون موسى هو هكسوسي الأصل وأن إسمه هو (الوليد بن الريان) ...

فهل من المعقول أو المقبول أن نسمح لمشاعرنا الدينية بالحكم بالإعدام على تاريخنا المصرى القديم ، لمجرد أن أحد الاطباء الأجانب أتى بنظرية مسيئة لأعظم ملك من ملوك مصر القديمة ، وهل من المعقول أن نحول كل ملوكنا لفراعنة و طغاة لمجرد أن ملك واحد طغى و تكبر ؟  وهل يجوز أن يكون مرجعنا لكتابة تاريخنا المصرى القديم (أمة فجر الضمير) هو نظرية طبيب أجنبى و إسرائيليات مدونة فى التراث  ؟

لقد قام العديد من علماء المصريات المصريين المسلمين بدراسات مهمة   تفند مثل هذه النظريات  و طرحوا عددا من النقاط المهمة فى هذا الموضوع والتى تدعوا للتفكر .... أولا ، ، لم يكن الملك رمسيس الثانى بدون أولاد ليتبنى طفلا فقد كان عنده مائة إبن و إبنة ، ثانيا ، من المحال أن يتبنى ملك مصر طفل غير مصرى ، ثالثا  ،  كانت سوريا و الأردن و فلسطين و الشام كلها تحت سيطرة الجيش المصرى إبان حكم الملك رمسيس التانى فكان لا حاجة له لمطاردتهم ....

 و قد استخرج هؤلاء العلماء  أسانيد من القرآن الكريم و السنة الشريفة تثبت بأن فرعون موسى لم يكن مصريا من الأصل و أنه كان من ملوك الهكسوس الذين احتلوا مصرالعليا  لمدة تقرب من ٢٥٠ ل ٣٠٠ سنة ارتدوا فيها ملابس المصريين وتسموا بأسماؤهم و بجلوا رموزهم المقدسة ....

و لكن لا أحد يريد أن يستمع لحجتهم و لا أن يصدق نظرياتهم  التى أفنوا أعمارهم لخروجها للنور لتنقى التاريخ المصرى القديم من الإساءات الملتصقة به ؟

و أخيرا و ليس أخرا ، ظهرت فئة أخرى تبرأ الملك رمسيسس الثانى من تهمة كونه فرعون الخروج  و تلصق  هذه التهمة الشائنة بإبنه  مرنبتاح الذى ورث إمبراطورية أبيه العظيمة مع أن ترتيبه كان الرابع عشر من بين أبناء الملك رمسيس الثانى  نتيجة لوفاة  جميع إخوته الأكبر منه سنا فحكم لمدة عشر سنوات من عام 1213 ق.م و حتى عام 1203 ق.م .....

و رجحوا أن مرنبتاح هو فرعون الخروج لسببين أن إسم زوجته هو( إست نفرت) الإسم الذي قد يكون تم تحريفه إلي أسيا و ذكر في القرآن الكريم ، السبب الثاني هو لوحة بني إسرائيل الموجوده بالمتحف المصرى والمذكوربها إسم بنى إسرائيل و الملك مرنبتاح الذى طردهم من جهة  الشرق باتجاه البحر الأحمر وسيناء ...

و غيرها و غيرها من النظريات التى تثير الجدل ، و لكن كما قلنا منذ البداية إن زماننا صار زمان مقلوب يتحدى المنطق ، تهدم فيه الرموز  ، و تكثر فيه النظريات المسيئة و الأراء المجحفة لمصريتنا لتجعلنا نعيش للأبد فى اللا لا ند ...

إرسل لصديق

اقرأ أيضا