عربى
PLUS
رئيس مجلس الإدارة
د.وليد دعبس
رئيس التحرير
أيمن نور الدين

جيهان مأمون تكتب .. وجوه سخمت المتعددة

طباعة
تحولت لأمنا الغولة فى الوجدان الشعبى ، و تحول إسمها لفعل (متسخمط) الذى لايزال يجرى على ألسنة المصريين ليعبر عن الإنهزام أمام القوة المفرطة
إذا غضبت اسودت الدنيا ....
و إذا صاحت اشتدت الزوابع ...
و إذا تبسمت تغير وجه الأرض ...

رموز الحرب النسائية و إسقاط صفات إنسانية عليهم أمر ورد كثيرا فى الثقافات القديمة، مثل: سخمت فى مصر ، عشتار فى بلاد الرافدين ، إنانا فى سومر ....
سخمت ربة الحرب فى مصر القديمة ، أقوى امرأة فى التاريخ ، لها جسد بشرى و رأس أسد ، تحمل قرص الشمس فوق رأسها و ثعبان الكوبرا ، و يعنى إسمها .... القادرة ....أو القادرة على أن تكون قوية.
اكتسبت سخمت .. مائة لقب .. للتدليل على وجوهها المتعددة وشخصيتها الطاغية التى تتصدى للشر و تفتك بقوى الظلام و ترتجف القلوب خوفا حين يذكر إسمها ....
وفقا للأساطير.. كانت سخمت تجوب الصحارى و تصاحب الملوك فى غزواتهم لكى تثير الرعب فى نفوس الأعداء بنفخ النار فى وجوههم فأطلق الناس على رياح الصحراء الساخنة إسم (أنفاس سخمت) و لقبوها بألقاب تدلل على البطش الشديد، مثل:
(قوية القلب التى يرتجف أمامها الشر) ، (التى تحرق من يفعل الشر) ، (حاكمة الأسود و الأفاعى)

كان مركز توقير سخمت مدينة منف أو ممفيس ، و قد ارتبطت باللون الأحمر فلقبوها بلقب (سيدة الرداء القرمزى اللون)
تحولت لأسطورة فى الوجدان الشعبى ، و من خلال هذه الأساطير تولدت شخصية أمنا الغولة و أضاف لها الخيال الخصب كثير من التفاصيل، تحور إسمها لفعل (متسخمط) الذى يعبر عن الإنهزام أمام القوة المفرطة ، وصارت كلمة السخمطة تعبر عن التشويه و القبح.

ارتبطت الأساطير بالدين فى مصر القديمة ، تقول الأسطورة بأن (رع ) رمز الشمس، حزن حزنا شديدا من جحود البشر و استدعى ابنته حتحور البقرة السماوية رمز الحب لمساعدته .. فتألمت حتحور لحزن والدها و ضبت غضبا شديدا ، و عندما تغضب حتحور يكون لها وجه آخر فهى تتحول للبؤة الشرسة (سخمت) .. وبعد أن تحولت حتحور لـ سخمت فتكت بأعداء والدها المتمردين عليه و أبادتهم كلهم فى نوبة من نوبات الغضب و الإفتراس فإكتسبت عدة ألقاب (القادرة مهلكة المتمردين ) ، (المحاربة المنتصرة فى المعارك ) ، (المفزعة قاهرة الأعداء) ، (التى لا تقهر)

تدافع سخمت عن أبناءها كل ملوك مصر الذين اعتبرها رمزا للحماية فقرنوا إسمها بأسماءهم لإضفاء شجاعة و قوة على أنفسهم ، ووصفوا أنفسهم بـ(مثل سخمت فى مواجهه أعداءه) ، (يصول السهم كما تفعل سخمت)

من أكثر ملوك مصر القديمة الذى ارتبط إسمه بإسمها هو الملك (تحتمس الثالث) ، لأنه كان من الشخصيات العسكرية المهمة فى التاريخ المصرى القديم.
و لكن سخمت فى نهاية الأمر امرأة يسكن الحنان قلبها فهى الزوجة زوجة بتاح الحكيم ، و هى الأم أم نفرتم الطفل و الذى يعنى إسمه الجمال التام (ثالوث منف) ، و هى الأخت ، أخت باستت القطة التى اشتق من إسمها كلمة (إنبساط ) أى سعادة ، و هى قرة عين أبيها (رع) ، و قد تلقبت سخمت بعدد من الألقاب للتعبير عن كل هذه الجوانب المختلفة:
(محبوبة زوجها بتاح) ، (محبوبة أختها باستت) ، (سيدة أبيها رع و منها اشتق إسم (ست أبوها)

على الرغم من أن سخمت كانت تقوم بنشر الأوبئة بين الأعداء و الأشرار لإهلاكهم إلا أنها ارتبطت أيضا بقوة الشفاء و علاج الأوبئة و بالجراحة فلقبت بإسم (سيدة الحياة)
اتذكر إسم سخمت فى بردية إدوين سميث الطبية ، و هى بردية يبلغ طولها خمسة أمتار تعود لعصر الدولة الحديثة تصف 48 عملية جراحية وتشخيص لعدد من الأمراض و تحوى شرح لعلاج الأسنان ، اكتشفها عالم المصريات الأمريكى إدوين سميث فى مدينة الأقصر فى عام 1862 م و هى موجودة فى أكاديمية نيويورك للطب.
كان هناك علاقة وثيقة بين الطب و الكهنوت فى مصر القديمة واتخصص كهنة سخمت فى علاج العديد من الأمراض، مثل أمراض الدم و الجراحة ، و ذكر فى بردية إبرس الطبية اللى تحوى وصفات لتركيبات الأدوية و هى موجودة فى جامعة ليبزج بألمانيا نص يقول ( كل طبيب كل كاهن سخمت كل ساحر) ، فبيصنف هذا النص الأطباء لثلاث فئات أطباء و كهنة سخمت و سحرة كلهم بيقوموا بمهمة العلاج.

أنشأ الملك (أمنحتب الثالث) الذى حكم فى الدولة الحديثة معبدا للربة (موت) زوجة ( آمون رع ) فى مدينة الأقصر يحتوى على فنائين مكشوفين و بحيرة مقدسة على شكل هلال ويضم بداخله 360 تمثالا لـ سخمت الجالسة بعدد أيام السنة كرمز للحماية من الشر و لحماية المعبد من الخطر ، و كان التماثيل يحفون البحيرة المقدسة ، و قد صمدت التماثيل أمام تحدى الزمن و الرياح و الزلازل ، ووصل لنا منهم اليوم عدد ضخم مرتصين  فى فناء المعبد. 
تأتى تماثيل سخمت على نوعين: سخمت الجالسة التى ترتبط بالشفاء ، و سخمت الواقفة بشموخ بجوار ملوك مصر لحمايتهم ، وتصنع عادة تماثيل سخمت من الأحجار السوداء، مثل الديورايت و الجرانيت الأسود.

تكتسب تماثيل سخمت المنتشرة اليوم فى كل متاحف العالم شهرة واسعة، فهى تجتذب أعدادا هائلة من زوار المتاحف يتأملونها برهبة ممزوجة بالإعجاب ، يشاهدون وجوهها المتعددة التى ترتسم فوق وجهها العابس الباسم فى آن واحد ، و هى تنظر لهم بعزة.. فهى صاحبة المائة لقب فى التاريخ المصرى القديم.
و عمار يا مصر
جيهان مأمون تكتب .. وجوه سخمت المتعددة
جيهان مأمون تكتب .. وجوه سخمت المتعددة
جيهان مأمون تكتب .. وجوه سخمت المتعددة
جيهان مأمون تكتب .. وجوه سخمت المتعددة

إرسل لصديق