عربى
PLUS
رئيس مجلس الإدارة
د.وليد دعبس
رئيس التحرير
أيمن نور الدين

د. فتحي عبد العزيز محمد يكتب.. أرواحنا في الليل: هل ستكون تلك ليلتنا الأخيرة؟

طباعة
عندما يتقدم بالمرء العمر، ويصير الفرد وحيدا تلفه وحشة العزلة وتغزوه برودة إنفلات الزمن وتطول به ساعات الليل يستسلم لصوت التلفاز لا تهمه تحذيرات نشرات حالة الطقس يزدرد طعامه بلا تلذذ ويقلب الصحيفة للمرة الألف منتظرا مكالمة يومية اعتاد عليها من شخص بعيد للإطمئنان عليه يترك مقعده بعدها متجها لفراشه ليغرق في ثبات يتمناه طويلا.. تلك حالة بطلنا الأرمل لويس ووترز (روبرت ريدفورد) بطل فيلم " أرواحنا في الليل" الذي يعرض حاليا على شاشات السينما وكانت ليلة العرض الأولى مع نهاية شهر سبتمبر والفيلم من إنتاج البطل نفسه وهو من نوعية الأفلام الإجتماعية الممتعة، وقد اعتمد على رواية بنفس الاسم للكاتب الأمريكي كينت هارف الذي رحل عن عالمنا منذ عامين وهي آخر رواياته وقد كانت من أفضل الكتب مبيعا في الولايات المتحدة ولأنها أفضل رواياته انتاب قراءه شئ من الحزن لخسارتهم إياه ، فالرواية تشي بأن الرجل كان لديه الكثير من الحكايا الرائعة.

يجمع الفيلم بين نجمين من زمن الستينات والسبعينات تشاركا معا في أكثر من عمل سينمائي، هما “روبرت ريدفورد وجين فوندا” ، وقد رسمت الشيخوخة علاماتها على وجهيهما بلا تدخل أو صنعة من يد إنسان فكانا مناسبين لدوري البطولة قامت جين بدور الأرملة آيدي لويز

تدور أحداث الفيلم في بلدة هولت وهي بلدة صغيرة في ولاية كلورادو في الغرب الأميركي .. بلدة يستعرضها الفيلم في أول المشاهد وقد بدأ القمر يتسلق بدايات الأفق والمحلات العامة القليلة في الشارع الرئيسي تغلق الأبواب في الوقت الذي تقترب آيدي من منزل لويس تطرق الباب ينهض لويس الذي فرغ لتوه من عشائه بدا مستغربا الأمر، لم يطرق بابه أحد منذ زمن، ينظر إليها من خلف زجاج النافذة تحييه وتستأذنه في الدخول لتعرض عليه عرضا جعله أكثر اندهاشا .. يعرف أنها جارته منذ أمد ، أمسي الجو باردا، تسأله ما رأيك أن تأتي إلى بيتي أشعر بالوحدة لا أعرف للنوم طعما لا بد من صوت انساني يحادثني ينام بجانبي اعتلت وجهه حمرة خجل وتحجرت مقلتاه .. لا  ليس من أجل الجنس .. لقد فقدت الرغبة في الأمر منذ سنوات نبدأ من الغد تحكي لي وأحكي لك حتى نغفو..                                           

ـ  وكلام الناس.                                                                                        
ـ تعلمت ألا ألقي بالا لكلام الناس لويس فكر بالأمر أنها محاولة للخلاص من وحشة الليل.                                                            
كان عرضا غريبا لكن لا بأس به .. تلك هي الفكرة التي بني عليها فيلم أرواحنا في الليل. 
في الليلة التالية ذهب إليها تعرف على مكونات بيتها ثم ذهبت به إلى غرفة نومها وما إن اعتليا الفراش ووضعت رأسها علي الوسادة غطت في سبات عميق ولا يزال لويس مذهولا مشفقا ثم يغفو هو الآخر.                                                            
تكررت اللقاءات كلا منهما يسأل ويحكي جوانب من حياته هو كان مدرسا هجر زوجته ديان ليعيش مع زميلة له بعد انفصال زوجها عنه ، لها ابنة زميلة ابنته هولي في الدراسة شعر فجأة بالقرف من علاقته بزميلته كيف يرعى ابنة غيره ويترك ابنته. 

أخبر زميلته بأنه سيغادرها، بكت طويلا ثم قالت هل ستكون تلك ليلتنا الأخيرة إذن؟.. تسأله آيدي لكنك تحبها؟ 
ـ لا إنما هي الذكريات
حكت له ما يمثل المأساة الأكبر في حياتها مقتل ابنتها التي كانت تلعب مع أخيها جين (ماتياس شومارتس) وهو يغمرها بمياه خرطوم الحديقة وضحكاتهما ثم فرارها منه إلى الطريق لتدهسها سيارة ، وقف سائقها مرددا يا الله .. كانت لحظة تهدم فيها كل شئ لم تعد تبال بزوجها أو حتى تنظر إلى وجه ابنها الذي كان في الحادية عشر آنذاك.. تكررت اللقاءات ولم تعد الحكايا هي الزاد اليومي بينهما قبل النوم بل فرضت الأحداث الجارية هيمنتها على حوارهما ، أخبرها أن أحدهم في المقهي قال في حضوره

                                        ـ يبدو أن لويس استعاد شبابه                                 
.كان تلميحا قاسيا
                           ـ لا تأبه لما يقولون، ما رأيك أن نخرج في جولة معا     
                                    
تابعتهما أعين الناس بدا كعاشقين رغم سنوات العمر وبطئ الخطى.
يوما يأتي ابنها وقد هجرته زوجته وساءت حياته المادية يترك ابنه الصغير عندها لتقوم هي ولويس بالعناية به ويبين الفيلم كيف يعاملانه من خلال الإستفادة من أخطاء تربوية اقترفوها فتجد معاملة تشجع الطفل على الإندماج في الحياة بعد عزوفه عن الطعام وانكبابه على لعبة إلكترونية مملة بسبب بعد أمه عنه وانشغال أبيه فيشتري له لويس كلبا ويعطيه لعبة قطار كهربائي متحرك كان قد جلبها لإبنته هولي ولكن اللعبة ظلت مغلفة مغلقة لسبب بعده عن البيت .. يعيش الجميع في هدوء إلى أن يأتي الإبن جين مرة أخري أنه يريد ابنه وتأكد أن الزوجة الهاربة لن تعود إليه مرة أخرى، لا داعي أن يحرم الصغير منا معا.. يدور حوار بين أيدي وابنها جين نعرف فيه أن الأخير لا زال يذكر أن أمه لم تكن تنظر إلى وجه منذ مقتل أخته في حادث السيارة.. تخبره لم أكن أقصد ذلك إنه الحزن لفقدها .. يقرر الإبن أن يأخذ صغيره ويمضي.

يرحلان وتبقى هي تشعر بأنها مقدمة على تضحية، فالصغير في حاجتها وهو ماحدث بالفعل تخبر لويس أن جين اتصل يريدها بجوار صغيره فيتذكر عبارة سمعها من قبل ينطقها في شئ من الحزن 

يمكننا القول في التحليل الأخير.. أن الفيلم ممتاز وممتع وهو دراما راقية تعالج العلاقات الأسرية في سلاسة وعمق معا و أعتقد أن للفكرة التي قام عليها الفيلم تأثيرها لتمسك بالمشاهد في مقعده للنهاية فهي تمس الروح بشكل رقيق وتعالج موضوعا قد لا يلتفت الآباء إليه ظنا أن ما يقومون به هو الأصوب .. الأداء الفني للأبطال كان جميلا كأنك تعيش وسط شخوص العمل أو قد تكون أحدهم موسيقي ، الفيلم مناسبة تتسرب ايقاعاتها كجزء من الآداء التمثيلي كما كان الإخراج عال الإبداع.





د. فتحي عبد العزيز محمد يكتب.. أرواحنا في الليل: هل ستكون تلك ليلتنا الأخيرة؟
د. فتحي عبد العزيز محمد يكتب.. أرواحنا في الليل: هل ستكون تلك ليلتنا الأخيرة؟

إرسل لصديق

اقرأ أيضا